الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
221
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
واضح منذ اليوم الأول ، فهل يطيع عاقل أوامر عدوه ! ؟ . . هذا من جانب . ومن جانب آخر ، اخذ عليه العهد بطاعة الله سبحانه وتعالى ، لأن سبيله هو الصراط المستقيم ، وهذا في الحقيقة أعظم محرك للبشر ، لأن الإنسان - مثلا - لو كان في وسط صحراء قاحلة محرقة ، وكانت حياته وحياة عياله في معرض خطر قطاع الطرق والضواري ، فأهم ما يفكر به هو العثور على الطريق المستقيم الآمن الذي يؤدي إلى المقصد ، الطريق السريع والأسهل للوصول إلى منزل النجاة . ويستفاد كذلك من هذا التعبير ضمنا بأن الدنيا ليست بدار القرار ، إذ أن الطريق لا يرسم لأحد إلا لمن يريد الذهاب إلى مقصد آخر . وللتعريف بهذا العدو القديم أكثر فأكثر يضيف تعالى : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون . ألا ترون ماذا أحل بأتباعه من المصائب . ألم تطالعوا تأريخ من سبقكم لتروا بأعينكم أي مصير مشؤوم وصل إليه من عبد الشيطان ؟ آثار مدنهم المدمرة أمام أعينكم ، والعاقبة المؤلمة التي وصلوا إليها واضحة لكل من يمتلك القليل من التعقل والتفكر . إذن لماذا أنتم غير جادين في معاداة من أثبت أنه عدو لكم مرات ومرات ؟ ولا زلتم تتخذونه صديقا بل قائدا ووليا وإماما ! ! " الجبل " الجماعة تشبيها بالجبل في العظم ( كما يقول الراغب في مفرداته ) . و " كثيرا " للتأكيد على كثرة من اتبع الشيطان من كافة المستويات الاجتماعية في كل مجتمع . ذكر بعضهم أن " الجبل " بحدود عشرة آلاف نفر ، أو أكثر ، وما دون ذلك لا يكون جبلا ( 1 ) ، ولكن البعض الآخر لم يلتزم بتلك الأرقام ( 2 ) .
--> 1 - انظر روح المعاني والفخر الرازي . 2 - المصدر السابق .